أبو نصر الفارابي

76

الجمع بين رأيي الحكيمين

الفارابي على كتاب « اثولوجيا أرسطو » ( كتاب الربوبية ) ليثبت ان أرسطو قال بحدوث العالم ، فيتكلف الفارابي البرهان على أن أرسطو قال بالحدوث . وهذا خلاف ما قاله أرسطو ( راجع ما عرضناه في المقدمة لرأي أرسطو في قدم الحركة والعالم ) . المسألة الثانية عشرة ، تذكر المثل الأفلاطونية ، وتقول ان أرسطو انكر هذه المثل . وهنا أيضا يعتمد الفارابي على كتاب « اثولوجيا أرسطو » ليثبت ان أرسطو قال هو أيضا بمثل مفارقة ( المعروف ان أرسطو رد فعلا هذا القول الذي هو نقطة ارتكاز كل فلسفة أفلاطون ) . وأخيرا في المسألة الثالثة عشرة : يقول المعترضون ان أرسطو وأفلاطون لا يعتقدان بالمجازاة والعقاب . فيرد الفارابي مستشهدا برسالة لأرسطو إلى والدة الإسكندر ويتحدث فيها عن الثواب . اما بخصوص أفلاطون فيقول الفارابي انه أثبت في آخر كتبه في « السياسة » البعث ، والنشور ، والحكم ، والعدل ، والميزان ، والثواب ، والعقاب . * * * فيتضح لنا من مطالعة هذا الكتاب أو بالأحرى هذه « الرسالة » ان الفارابي قام بهذه المحاولة بطريقة ساذجة سطحية في أكثر الأحيان ، ذلك أنه يعتمد أحيانا في هذا التوفيق على التأويل للألفاظ والمعاني أكثر من اعتماده على روح المذهب عند كليهما . ثم إنه ضلّل عندما اعتمد على كتاب منحول ، منسوب خطأ إلى أرسطو . ولنؤكد هنا على هذه النقطة الخاصة بمسألة « المثل » كما ذكرت في المسألة الثانية عشرة . فلكي يقوم الفارابي في التوفيق بينهما في هذه المسألة يشير إلى ما هنالك من آراء تنسب إلى أرسطو ، وفيها ما يؤذن باعتقاده بالمثل ، فيقول : « وقد نجد ان أرسطو في كتابه الربوبية المعروف « اثولوجيا » يثبت الصور الروحية ويصرح بأنها موجودة في عالم الربوبية » . وهنا يعرج الفارابي على المشكلة الدقيقة ، مشكلة التناقض بين ما في كتاب « اثولوجيا » وما في باقي كتب أرسطو ، فيرى ان الامر فيها لا يخلو من خصال ثلاث : اما ان أرسطو ناقض نفسه ، واما ان يكون بعض هذه الآراء لأرسطو والبعض الآخر ليس له ، واما ان يكون لها معان وتأويلات تتفق بواطنها وان اختلفت ظواهرها ، فتتطابق عند ذلك وتتفق » . ويستبعد الفارابي الفرضين الأول والثاني ، ولا يبقي الّا على الثالث ، لأنه هو المتفق مع منهجه في هذا الجمع والتوفيق بين رأيي أفلاطون وأرسطو . ولو كان الفارابي تعمق الفرض الثاني ، وهو ان يكون بعض الكتب منحولا لأرسطو غير صحيح النسبة اليه ، إذا لكان قد أدى خدمة تاريخية كبرى للفكر العربي « 1 » .

--> ( 1 ) عبد الرحمن بدوي : المثل العقلية الأفلاطونية ، المقدمة ص 12 وما بعدها .